اللوطي الصالح: الامتيازات الذكورية كبديل عن التحرر

21 Sep

غسان مكارم

في الأيام القليلة الماضية، قامت مجموعة من الصديقات والزميلات في جمعية حلم بالكشف عن أسباب أدّت إلى استقالة عدد من أعضاء الجمعية، وأنا من ضمنهم، منذ بضعة شهور.

عبّرت الزميلات عن الانحطاط التي أصاب الجمعية مؤخراً بسبب تمنّعها عن معالجة جو من الذكورية القبيحة أدّى في نهاية المطاف إلى تبرير التحرّش الجنسي الذي تعرّضت له بعض النساء سابقاً ومؤخراً، في نشاطات الجمعية ومن أعضاء من الجمعية، والاستخفاف بشكواهن بسبب ميولهن السياسية (النسوية أو الكويرية أو اليسارية) واعتراضهن على المقاربات الذكورية التي تحكّمت ببرامج الجمعية الخدماتية على مر السنوات.

بداية، لا بد من التأكيد على كامل التضامن مع الزميلات اللواتي تعرّضن لهذه الأنواع من المضايقات واضطررن لمغادرة الجمعية بسببها. وقد فصّلن في شهاداتهن عدداً من القضايا التي أدّت إلى هذا القرار، بما فيها استمرار الاستخفاف والتهكّم بشكواهن المحقّة وغياب أي حس من المسؤولية من قبل قيادة الجمعية الحالية والسابقة التي لعبت الدور الأساسي في استفحالها اليوم.

كما أؤيّد كل التأييد قيامهن بنشر تلك الشهادات وإعلانها على الملأ بعد سنوات من محاولات “الإصلاح من الداخل” التي تم إفشالها مراراً من عدد من قيادات الجمعية بتحريض وتشجيع من “داعمين” في الداخل والخارج.

ولست مضطراً في مستهل هذا المقال أن أتحدّث عن الإيجابيات أو أعدد إنجازات الجمعية (كي أكون “موضوعياً”)، وقد قمت بالكتابة عنها مرارا والدفاع (في كثير من الأحيان وحيداً) عن خيارات الجمعية أمام انتقادات من أكاديميين وسياسيين، في وقت كان التعامل فيه البعض مع كل انتقاد يكون من خلال ردّات فعل موتورة وعاجزة.

فجو الإرهاب الفكري الذي سيطر على الجمعية مؤخراً (“للتخلّص من المخرّبين”، أي اللواتي وقفن ضد هذه الممارسات طوال عمر الجمعية)، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، وهو يستدعي إيقاف جميع أعمال الجمعية إلى حين معالجته (الشيء الذي كان لا بد أن يحصل منذ سنوات).

وهو لم يكن أبداً جواً مستجداً، بل تمّ نثر بذوره خلال سنوات من العمل من قبل أشخاص معروفين لأعضاء الجمعية وقد بدأوا بالكشف عن أنفسهم تباعاً من خلال الردود التي تؤكّد الاتهامات، كما تطرح قضايا أخرى لم يتم الكشف عنها في الشهادات، لأنها قد تبقى ضمن “المعقول” في الصراعات السياسية الداخلية في أي مجموعة.

لكن الخلافات تلك ليست منفصلة عن نظرة الجمعية لقضية التحرر الجنسي والحقوق الجنسية، وهي تفضح طبيعة الأهداف التي يتم الدفاع عنها بشراسة، وتدعو إلى استنتاجات ليس أقلّها تطبيع الجمعية التام مع النظام البطريركي، والنظر إلى قضايا المرأة كملحقات في القضايا “الأساسية” (أي التي تخص الذكور) والاستخفاف بردّات فعلهن ضد التمييز الجنسي وشكاوى التحرّش، والادعاء بكل وقاحة أنهن يختلقن مشكلة لأسباب سياسية.

لكن هناك بعض البديهيات، أهمها أن الخلاف السياسي، مهماً كان، لا يبرر بأي شكل من الأشكال التغاضي عن التحرّش الجنسي لإسكات المعارضات، ثم التبرير له، ثم رفض الاعتذار أو القيام بأي خطوة “إنقاذية”، ثم الصمت المدوي، ثم التهكّم وحملات التشهير الشخصية والاتهام بالتطرّف والراديكالية واليسارية والنسوية، لتبرير الاستخفاف بالتحرّش الجماعي المتمادي الذي قامت عصبة من الرجال المسعورين.

طبعاً، بدأ البعض بانتقاد أن تًطرح المسألة في العلن وأن تتم معالجتها داخلياً، وهنا لا بد من إعطاء شهادتي الشخصية على آخر محاولة، أي بعد التهجّم على قمر بسبب رفضها الطريقة الذكورية القبيحة التي تم فيها التعاطي مع تغريدة بسيطة ولا تحتمل اللبس تنتقد الفيديو الدعائي لليوم العالمي لرهاب المثلية ٢٠١٢ واستخدامه لصورة ذكورية مستوردة.

تم التهجّم على قمر والتحرّش بها لفظياً على اللائحة البريدية للجمعية. ومن ثم، تكافل الرجال (أو معظمهم) للرد عليها وعلى كل شخص قام بالتنبيه عن خطورة التمادي بالموضوع. فقمت بإرسال شكوى رسمية إلى إدارة الجمعية، طالباً منهم تدارك الأمر سريعاً والتعامل معه بالجدّية المطلوبة، بصفتي عضو موقّع على علم وخبر الجمعية وعضو سابق في إدارتها وأشرفت على وضع بعض اللوائح المتعلّقة بالتعامل مع هذا الموضوع.

لكن للأسف، فقد جاءت الردود كالتالي:

١) تم استخدام الخلفية المهنية في علم النفس لاتهام اثنتان من المعترضتان (سابقاً وحالياً) بأنهما تعانيان من “مشاكل في الشخصية”، كتبرير لتعرّضهما للتمييز والقول بالحرف: “لم أشهد أي تمييز جنسي في الجمعية” بالرغم من أن أكثر من حالة تم الاعتراف بها في هيئات إدارية سابقة وقرارات لقواعد شرفية بين الأعضاء وقوانين “صارمة”متعلّقة بالمركز الشبابي.

٢) قيام مدير الجمعية بإرسال رسالة إلى لائحة بريد أعضاء الجمعية يشتم فيها من قام بالشكوى.

٣) اقتراح عقد اجتماع للهيئة الإدارية (لمعرفة ما إذا كان ما حصل تحرّشاً ويستدعي القيام بردّة فعل). وقد قاموا فعلاً بالاجتماع، وقدّموا استقالتهم، وأحالوا الموضوع على الهيئة الإدارية اللاحقة التي أبصرت النور بعد شهر ثم استقالت بعد شهر.

ولم تكن المرّة الأولى التي يتم فيها استخدام سلاح علم النفس السلطوي ضد أشخاص لا ينضبطون ضمن الإطار المقبول للجنسانية وإيقاف النقاش في قضايا التمييز داخل الجمعية، واتهام المشتكيات.

فمنذ سنتين تقريباً، قامت محاولة لإفشال توظيف متحوّلة جنسياً ضمن حملة عنصرية من قبل الأشخاص ذاتهم، والتشهير بها من خلال كشف “حالتها النفسية” (مِن قِبل مُعاِلجتها) أمام أعضاء الجمعية. واستمر التشهير بها علناً لأن بعض من في الجمعية ضاره أن تكون واجهتها شخص متحوّل جنسياً، وأنا شاهد شخصياً على عدد من هذه النقاشات.

ولم تكن المرّة الأولى التي اعتُمد فيها السعار الذكوري لدفع امرأة خارج قيادة الجمعية لأنها خالفت معايير الغيرية البحتة (heteronormativity). فقد تعرّضت الزميلة هبة، عند وجودها في قيادة الجمعية، لحملة تهديد إرهابية من قبل مثليين متنفّذين (ومتخفيين) بسبب كتابتها لمقال ينتقد المفاهيم السلعية الذكورية التي تسيطر على جماعة المممم (لم يجرؤ أحد منهم الرد عليه في العلن). وقد سبق ذلك حملة أخرى عليها بسبب إعطاء عنوان “أنا شاذ” لليوم العالمي لرهاب المثلية ٢٠١٠ (آنذاك، الحملة كانت بقيادة “صحافيين في الحمرا”، على حد تبرير مدير الجمعية السوريالي في معرض التبرير).

وعلى مدى السنوات، تم إفشال جميع محاولات وضع لوائح داخلية للجمعية، تخفف من حدّة السيطرة الذكورية على الجمعية وتضع حداً للتجاوزات (وبعضها خطير للغاية)، تارة بحجّة أننا لسنا بحاجة لها وطوراً من خلال استدعاء مقولات التقبّل والتنوّع والديمقراطية، وكأن الذكورية والتحرّش خيار ديمقراطي.

كما لم ترتدع الجمعية من آثار أنواع أخرى من التمييز التي أدّت، في بداياتها، إلى خلق صدع بين الأعضاء، مثلاً، عند انسحاب إحدى أوائل المنتسبات إلى الجمعية، بعد تعرّضها للشتائم والتجريح العلني بسبب جنسيتها الفلسطينية من قبل أشخاص تم قبولهم بالجمعية بحجّة التنوّع.

ثم تكرر الأمر عند انسحاب أشخاص آخرين، والأغلبية الساحقة من النساء، بسبب ردّة الفعل على قيام حلم للبنات، ومن ثم مشروع “ميم”. ومع موافقتي مع كل ما قالته رشا عن الموضوع، لكن هناك أسباباً أخرى لا بد من دراستها، ليس أقلّها اشتراط بعض الممولين الصفاء الجندري في برامجهم.

وقد شارك الجميع آنذاك، من دون استثناء، في خلق الجو الفئوي الذي يسيطر منذ ذلك الوقت على جماعة المممم في بيروت. ولم تنفع محاولات تداركه بسبب إصرار البعض على الطلب من النساء “الاعتذار” بسبب مغادرتهن لمكان لم يتقبّلهن، وتحويل المسألة إلى صراع وجودي بين أشخاص.

أكثر من ذلك، فإن فرض الانضباط الغيري لم يقتصر على النساء. فقد تم إبعاد عدد لا بأس به من الرجال والشبّان بسبب منظرهم أو ملبسهم أو حياتهم الشخصية في عدّة مناسبات. وقد تعرّضت شخصياً لعدّة مضايقات وتم التشهير بي في عدّة مناسبات بسبب آرائي السياسية وعدم انضباطي بالمظهر المقبول اجتماعياً، لم أكترث لها في بداية الأمر، ورأيتها كمجرّد مناكفات صبيانية.

وقد تعدّى الأمر مسألة الخلاف السياسي التقليدي إلى خلق عداء من قبل البعض في الجمعية ضد النسوية واليسار وأي شخص ينتقد المعايير النمطية لجمعيات المثليين الرجال البيض، واستخدام أساليب مكارثية مع كل من يطرح القضايا الاقتصادية والتمييز الطبقي، والاتهام بالإرهاب والتخريب، على طريقة الأنظمة الديكتاتورية. وأقول أيضاً، تبرير البعض لما تعرّضت له من اعتداء العام الماضي بأفكاري “المتطرفة” (وعدم الاكتراث إلى ربط الموضوع بميولي الجنسية)، بنفس الطريقة التي يتم بها تبرير التمييز ضد نساء لأنهن يخالفن التعاليم الذكورية.

وما كان يحصل مع رجال (ونساء ومتحوّلين آخرين) يظهر وجها قبيحاً لما يسمّى “الدفاع عن التيار العام للمجتمع” (mainstream)، بكل ذكوريّته وعنصريته وامتيازاته، ربّما يكون أسوأها الاستخفاف بالمضايقات التي يتعرّض لها المممم في أماكن تدّعي إنها صديقة، ويتم الترويج لها كمساحات للحرية ودليل على التطوّر.

كانت هذه الشكاوى دائماً ما تُجابه بالدفاع الشرس من قبل قيادي معروف في الجمعية لمنع أي نقد علني لها أو لدخول البعض في مجال الترويج للسياحة الجنسية (بحجّة التطوّر والتحرر الجنسي) والتغاضي عن أثر تسليع حياة المثليين – وجعلها موضوعاً للسياحة – على الحياة اليومية، في وقت يتم فيه خنق المساحات العامة ومساحات التلاقي الشعبية. وماذا يعني إعادة طرحها اليوم، من غير مناسبة، للرد على شكوى تحرّش؟

وإن كانت هذه الأسباب لم تؤثّر بموقعي أو اندفاعي لفترة طويلة، فإنها تدعوني للاعتذار من جميع النساء اللواتي مررن في الجمعية، لا لكوني رجلاً، بل لعدم الاكتراث لحقيقة الامتياز الذكوري الذي كنت أستفيد منه، وتغاضيت عنه مرّات.

هذه كانت “البيئة الحاضنة” للمضايقات الذي تعرّضت له قمر وبرنا وهبة ورشا وغيرهن. وقد ذكرت بعض المسائل الشخصية (بسبب ضغط الزميلات) مع كثير من التحفّظ لأن ما واجهته فردياً لا يمكن مقارنته أبداً بالتحرّش الجنسي الجماعي أو الفردي الذي تواجهه النساء كل يوم في هذا المجتمع.

الجمعية التي بنيناها لتكون مكاناً آمناً بالتحديد لمن لا يجد/تجد الأمان في المجتمع، لم يسعها التعامل الجدّي مع مسألة التمييزالجنسي والتطبيع مع الغيرية البحتة، خاصة فيما يتعلّق بالناشطات اللواتي يقمن بتحدّي المفاهيم الهوياتية السلطوية واستعادة المفاهيم النسوية التي هي في أساس حركة التحرر التي ندّعي أننا جزء منها، أوكنّ اقد ادّعينا سابقاً قبل انحطاط الجمعية بتبنّيها وجهة تلتزم بمعايير ما يسمى التيارالعام للمجتمع،وهي، في نظري، إحدى مكوّنات القومية المثلية (homonationalism) في الدول التي ما زالت تعاني من قوانين إلغائية ضد غيرالمغايرين.

هذا بالإضافة إلى ما يبدو أنه معاداة شرسة للحرية الجنسية من قبل أغلبية أعضاء الجمعية والكشف عن نظرة عدائية لجنسانية المرأة، بما فيها من محترفين تستخدمهم الجمعية أو تروّج لهم، في وقت تتسرّب فيه المفاهيم الدينية كمعيار للعائلة، والترويج للعلاقات المتطابقة مع الغيرية إلى عمل الجمعية.

وهكذا تم تفريغ الجمعية من السياسة لمصلحة فرض رؤية استهلاكية على عملها والتعامل مع المختلفين جندرياً وجنسانياً كسوق للبضائع الزهرية، ودفع الجمعية باتجاه العمل الخدماتي البحت ليتطابق مع هذا الاتجاه.

وقد عبّرت الكلمة التي نشرتها غلامة في “بخصوص” من وحي اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية ٢٠١٢ خير تعبير عن هذا الأمر وعن قضايا أخرى كان يتم التعتيم عليها مراراً في الجمعية ويُمنع النقاش فيها، بالوسائل المباشرة والملتوية. وهي قد أصبحت الآن في العلن حيث يمكن مناقشتها من دون رقابة أو تهديد.

ليس هناك فرق كبير بين حملات التحريض التي تقوم بها محطات الإعلام الفاشية بهدف “تنظيف” المجتمع من المظاهر “غير المقبولة” (كسينميات المثليين،والعملالجنسي،والمتحولات/ين أو حتى الرجال “الناعمين”) وبين تبنّي حلم لمعايير وسياسات تطبّع مع الغيريّة البحتة وتوجّهها إلى “كسب احترام البوليس” والظهور بمظهر “طاهر” والترويج لصورة نمطية يريدها السياح المثليون البيض (وصحافتهم المدمجة وتجّار شنطة حقوق الإنسان)، ونمط حياة معيّن يلتزم تماما بمعايير المجتمع الثقافة المهيمنة للمجتمع المغاير وأخلاقه وآدابه، وصلت إلى استخدام الترهيب الجنسي لمنع الاعتراض عليها، بسبب عدم القدرة على الردّ.

إنه دفاع مستميت عن النظام، بكل تفاصيله، ودفاع شرس من البعض عن امتيازاتهم الذكورية، أعماهم عن حقيقة ما يحدث، وقرروا استغلال الفرصة  “للتخلّص من المخرّبين”، ولم ينتبهوا أن هناك وسائل سياسية كثيرة مشروعة، لكن ليس من ضمنها تشجيع الذكورية والتحرّش. هل هذا هو الخلاف السياسي الذي يتحدّثون عنه؟

ختاماً، أمام ردّة الفعل اللامسؤولة على قضية من أبسط البديهيات، كل الكلام أعلاه يصبح مجرد تفاصيل، أولاً وأخيراً، لا يمكن الاستمرار في جمعية “حقوق جنسية” تعتبر أن التحرّش الجنسي والتمييز الجندري مجرّد وجهة نظر.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: